مارثا رولدوس

المقابلات

 الى الخلف
يناير 4, 2010

مارثا رولدوس

نائب سابق في الكونغرس في إكوادور، وعضو سابق في الجمعية التأسيسية (2007-2008)

لقد دخلتُ معترك السياسة لأنّي أريد تحقيق بعض الأهداف والحؤول دون تحقيق غيرها. واستنادًا إلى ذلك، أحدد من عليّ الإجتماع معه والتحدث إليه، ومن عليّ تفاديه. إذا ما توقفنا عند التفاصيل، ورحنا نتنافس حول من سيتكلم أمام الكاميرا أو من ستظهر صورته في الصحف ونتعارك على هذه المواضيع، نخون عندها القضية التي علينا خدمتها، ونخرج عن السبيل المحدد- لا بل أسوأ، نهدر القضايا والجهود معًا.

المتن: 
شبكة المعرفة الدولية للنساء الناشطات في السياسة: حضرة السيّدة مارثا رولدوس، تتحدّرين من عائلة من السياسيين. ما كان تأثير هذه الخلفية على مشاركتك في السياسة؟ 
مارثا رولدوس: 
: كان والدي "جايمي رولدوس أغيليرا" رئيس إكوادور بين عامي 1979 و1981. وفي العام 1981، تحطّمت طائرته التي كانت تقلّه مع والدتي في ظروفٍ غامضة وتوفّيا معًا. كما كان أحد إخوة والدتي وهو "عبدالله بوكرام" رئيس إكوادور ما بين 1996 و1997. أما أنا فكنت في صفوف المعارضة. وكنت متزوجة من إبن أخ رئيس باناما السابق "عمر توريهوس". صحيح أنني كنت على هامش الساحة السياسية إلا أنني لطالما كنت أولي اهتمامًا بالغًا بالسياسة. درستُ علم الإقتصاد والسياسة الدولية وعلم الإجتماع، ولم أتوقف يومًا عن قراءة الأخبار السياسية في إكوادور ومتابعتها. وكان عمّي "ليون رولدوس" الإشتراكي نائب رئيس إكوادور بين عامي 1981 و1984. وأسّس حركة حملت إسم "شبكة الأخلاقيات والديمقراطية" (Red Ética y Democracia) وأنا الآن من الناشطين فيها. على الرغم من مشاركتي في السياسة في الجامعة، لم أدخل معترك السياسة الوطنية إلاّ مؤخرًا مع انتخابات العام 2006. في ذلك العام، تم انتخابي نائبًا في الكونغرس في ظل حكومة الرئيس "رافاييل كوريا" (الذي تسلّم مقاليد السلطة في كانون الثاني/يناير 2007). لم أحتلّ المنصب هذا إلا لستة أشهر إذ قدّمت بعدها استقالتي لأترشح لإنتخابات الجمعية التأسيسية. كانت هذه الخطوة جزءًا من مشروع كنّا نروّج له ضمن شبكة الأخلاقيات والديمقراطية، إذ كانت الحركات الإجتماعية والحركات السياسية التقدمية ومجموعة كبيرة من المواطنين تطمح إلى تشكيل جمعيّة تأسيسية. إنتُخبت في الجمعية التأسيسية حيث عملت ما بين تشرين الثاني/نوفمبر 2007 إلى تموز/يوليو 2008. بعد الموافقة على الدستور الجديد سنة 2008، دخل النظام في مرحلةٍ إنتقالية وأنشئت لجنة تشريعية رقابية (بين تشرين الأول/أكتوبر 2008 وشباط/فبراير 2009) حيث بقي عدد منّا، أي أعضاء الجمعية التأسيسية، في مناصبنا في دورَي التشريع والمراقبة. لطالما كنت أنتمي إلى الوسط اليساري، وأعتقد أنني أميل أكثر فأكثر نحو اليسار إذ يتزايد اهتمامي بالمسائل البيئية ومسائل الجنسانية. فالمسائل البيئية أساسية بالنسبة لي، إذ أن الدفاع عن البيئة هو الدفاع عن الحياة نفسها. وهذه إحدى أهم القضايا التي تشغل الحركات الإجتماعية وحركات السكان الأصليين. وفي هذا المجال في السياسة بالتحديد، أجدُ نفسي. شبكة المعرفة الدولية للنساء الناشطات في السياسة: شهدت إكوادور في خلال السنوات الأخيرة تغيّرات متسارعة. برأيكِ، ما هو التقدّم المحرز في تحقيق الأجندة النسائية وبخاصة في مجال تعزيز مشاركة المرأة في السياسة؟ مارثا رولدوس: I: لقد حققنا التقدّم خلال السنوات الأخيرة في إكوادور. ولقد سعينا إلى تحقيق المساواة بموجب القانون، لكن الأهم أننا تقدّمنا عمليًا. سجّلت النساء أعلى نسبة مشاركة في الجمعية التأسيسية بالتحديد، وكانت قد ترأست النساء عددًا من قوائم المرشحين، ما أشار إلى تغيّر نوعي. لم نحقق المساواة فحسب بل نجحنا في تحقيق التناوب على القوائم الإنتخابية. في السابق، كانت الجهات المعنية ترشّح 9 نساء على أسفل قائمة إنتخابية تتألف من 18 مرشحًا. أما الآن، فتنصّ الشروط على تناوب الرجل والمرأة على القوائم الإنتخابية. وبعد الإنتخابات، شكّلت النساء حوالى 40% من أعضاء الجمعية التأسيسية. وعند انتخاب اللجنة التشريعية الرقابية، عارض بعضٌ منّا تقليص عدد أعضائها ما دون عدد أعضاء الجمعية التأسيسية لأنه من الصعب المحافظة على التوازن ما بين المقاطعات والمجموعات السياسية وبين الرجال والنساء. لكن التضحية طالت نسبة النساء في هذه اللجنة، كما هي الحال في معظم الأحيان. غير أن احتلال النساء المناصب السياسية لا يشير تلقائيًا إلى إحراز تقدّم في الأجندة النسائية. فمن يعارض أشد معارضة تحقيق الأجندة النسائية في مجالَي الصحة الجنسية والصحة الإنجابية هن النساء الأخريات في الأحزاب اليمينية. لقد وضعت هؤلاء برنامجهن الخاص لا بل قائمتهن الخاصة، وهي شبيهة بما نراه في بلدان أميركا اللاتينية الأخرى، المستوحاة من موقف الفاتيكان، ومن بعض الكنائس البروتستانتيّة، وحكومة (الرئيس الأميركي السابق) جورج بوش (2001-2009). ويتعارض موقفهن مع موقف الوكالات الدولية على غرار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) الذي كان أحد الموارد الأساسية لعدد من أعضاء الجمعية في شؤون النساء والجنسانية. شبكة المعرفة الدولية للنساء الناشطات في السياسة: يزعم عددٌ من الخبراء والدراسات أن اعتماد نظام الحصص غير كافٍ لتعزيز مشاركة المرأة في السياسة. كما اتّضح أن مبادرات العمل الإيجابي الأخرى غير كفيلة وحدها بأن تضمن مشاركة نسائية أكبر في السياسة ولا بد من أن يرافقها إنشاء نوع من بنى المعايير الإجتماعية. إستنادًا إلى خبرتك، ما هي الاستراتيجيات التي يجب تطبيقها لتعزيز التغييرات البنيوية في هذا المجال؟ مارثا رولدوس: لا يمكنني إلاّ أن أوافقك الرأي. فاعتماد نظام الحصص في اختيار المرشحين غير كافٍ لوحده. أعتبر أن أهم إنجاز حققناه حتى اليوم يكمن في احترام مبدأ تناوب الرجال والنساء على القوائم الإنتخابية. نحن بأمسّ الحاجة اليوم إلى ترشيح عدد أكبر من النساء وإلى وصولهن إلى الكونغرس. كما لا بد من أن يُفرض معيارًا داخليًا على الأحزاب السياسية يلزمها بأخذ المرشحات على محمل الجد. ففي حالات عدّة، تُقدّم المقاعد على القوائم إلى ملكات الجمال بغية جذب عددٍ أكبر من الناخبين. ويجدر بالأحزاب السياسية أن تستحدث قنواتها الخاصة لتتيح المجال أمام مشاركة النساء الحزبيات، وذلك لضمان فعالية نظام الحصص. ومن شأن ذلك أن يحيل دون ترشيح الحزب السياسي النساء من المشاهير والوجوه البارزة اللواتي لا يرتبطن بالحزب ولا ينتمين إليه. لكن المشاركة النسائية في السياسة لا تقتصر على الأحزاب والإنتخابات، بل تتعداها لتشمل سبل ومجالات أخرى. على سبيل المثال، عقدتُ اجتماعات مع مجموعات تناهض قانون المناجم وتحالفت معها. وتترأس النساء عددًا كبيرًا من مجموعات الدفاع في المجتمع، ولا بد من إفساح مساحة أكبر للمشاركة أمامهن. ففي التظاهرات الإحتجاجية، إن من أجل السيادة الغذائية أم المياه أم لمكافحة استغلال المناجم، نجد أعدادًا من النساء وقد التزمن كل الإلتزام بالدفاع عن قضاياهن وبذلن كل الجهود لإتخاذ القرارات الملائمة. إلا أن التجريم طال عددٌ منهن على غرار "لينا سولانو" بسبب مناهضتها للمناجم و"إستير لانديتا" التي تلّقت تهديدات بالقتل من قاتل مأجور. في مجالات سياسية أخرى كهذه، أحرزت المرأة تقدّمًا لافتًا وهي ضحية الإضطهاد الأولى. إنه بالفعل أمر مثير للإهتمام. شبكة المعرفة الدولية للنساء الناشطات في السياسة: في ما يخص المجتمع، ما هي الاستراتيجيات الأنجع لمكافحة الذهنية الذكورية والأبوية الطاغية التي تجرّد نداء المرأة بالمساواة من كلّ شرعيّة؟مارثا رولدوس: أعتقد أنه يجب وضع استراتيجية تواصل تهدف إلى مكافحة الأفكار الذكورية التي انتشرت في المجتمع، ومكافحة تلك الأفكار السائدة حولنا، أي النساء في السياسة، لتمكيننا في دورنا في السلطة وعدم الإستسلام للترهيب والتخويف. من أكثر الوسائل شيوعًا لتخويف المرأة، يلجأ الخصم إلى التهديد بكشف بعض أوجه حياتها الشخصية، وهو موضوع لا يمتّ إلى السياسة بأي صلة لو أراد أحدهم التطرّق إليه في حياة رجال السياسة. لقد آن الأوان لأن تتخذ المرأة في السياسة موقفًا حازمًا وتتجاهل هذه الوسائل. تخلّت إحدى النساء من حزب يميني عن موقفها في المعارضة ما إن أعلن الرئيس (رافاييل كوريا) على إحدى الإذاعات أن سمعتها موضع شك. صحيح أنني لا أوافقها الرأي في أي من مواقفها، لكن لا يحق لأي فرد كان أن يشنّ عليها هجومًا كهذا. فما من امرأة تشكّك بسمعة أي فرد كان أم تلمّح إلى العلاقات الجنسية التي أقامها أي رجل سياسي. ويجب في المقام الأول فرض عقوبات صارمة على الحملات التي تتطرق إلى هذه المواضيع، فهي شكل من أشكال التمييز المرفوضة. ولَكَم يصعب على الأطفال أن يسمعوا هذه التعليقات عن والدتهم! ولَكَم يصعب على المرأة أن تدرك أن أطفالها قد سمعوا هذه التعليقات! لكن عليك أن تعلّمي أطفالك عدم التجاوب معها وقولي لهم "إن حياتنا الخاصة لا تخصّ أحدًا غيرنا". حان الوقت ليحترم الجميع خصوصية حياة المرأة الناشطة في السياسة، لئلاّ تكون موضع سخرية أم نقاش سياسي. وعلينا أيضًا أن نعتمد معايير أكثر صرامةً لكي تعتبر هذه الحملات نوعًا من المضايقة أم التمييز مهما كان مصدرها. أخيرًا، تكتسي مسألة تمويل الحملات الإنتخابية للمرشحات أهمية بالغة، إذ يصعب على المرأة الحصول على التمويل لحملتها الإنتخابية أكثر مما يصعب على الرجل. فالمسألة هذه تزداد تعقيدًا وترتدي طابعًا شخصيًا لدى المرأة. ولا بدّ من أن نمعن في هذه المسألة أكثر فأكثر. شبكة المعرفة الدولية للنساء الناشطات في السياسة: صاغت جمعيّة النساء في المجالس البلدية في إكوادور (AMUME) مشروع قانون حول المضايقات والعنف ضد النساء الناشطات في السياسة. ما رأيكِ بهذه المبادرة؟ مارثا رولدوس:إطّلعت في السابق على هذه المبادرة، فلقد عرضتها عليً رئيسة الجمعية السيّدة "مارغاريتا كارانكو". أعتقد أن المرأة في الكونغرس لا تخضع للمضايقات والعنف كما المرأة في المجالس البلدية، ففي الكونغرس تكون الأضواء مسلّطةً عليها أكثر. على سبيل المثال، كشفت إحدى صديقاتي في الحزب وهي من أعضاء المجلس البلدي في سانتو دومينغ، اتهامات بالفساد طالت العمدة، فوقعت ضحية التخويف والترهيب. فالتهديدات أضحت جزءًا من اللعبة السياسية وفي المجتمعات الصغيرة، يكون التهديد جسديًا. وقد يكون التهديد الجسدي هذا أكثر خطورةً عندما يطال النساء إذ قد ينبئ بأنواع أخرى من الإعتداءات كالإعتداءات الجنسية أو التعليقات غير اللائقة أو المضايقات. شبكة المعرفة الدولية للنساء الناشطات في السياسة: إضطلعت مجتمعات السكان الأصليين بدورٍ أساسي في المنطقة، ولعلّ إكوادور خير مثال على ذلك. كيف ترين مشاركة النساء من السكان الأصليين في السياسة في إكوادور؟ وما توقّعاتك للمستقبل؟ مارثا رولدوس: عندما دخلتُ الكونغرس، كنّا 6 أعضاء من شبكة الأخلاقيات والديمقراطية، وقرّر هؤلاء تعييني رئيسة التجمّع الحزبي. إلاّ أن البعض من قادة التّجمعات الأخرى لم يكونوا مرتاحين للوضع هذا، حتى أن أحدهم رفض التحدث إليّ، وفضّل التوجه إلى الزملاء من الرجال في كلّ مرّة طرحت مسألة على بساط البحث. لكن الزملاء كانوا يقولون له "عليك أن تتوجه إلى مارثا، فهي المسؤولة عن هذا الموضوع"، إلا أنه كان يرفض ذلك، إذ كنا نواجه طريقًا مسدودًا في بعض المسائل الأخرى. في نهاية المطاف، قرّر التجمع الذي كان ينتمي إليه أن يعيّن قائدًا آخر بإمكانه التوجه إلي. أعتقد أنه من واجب المرأة أن تفرض احترامها. قد يتطلّب ذلك في البداية جهودًا حثيثة، إذ تكون المرأة خجولةً وخائفةً بعض الشيء. في السياسة، تتعلمين ألاّ تخافي من أن يطلقوا عليك لقب "الساحرة". بإمكان المرأة أن تكون "ساحرة" بالنسبة لمن يستغلّها، وقد تكون سخيّة وتفتح قلبها وعقلها ويديها لقضايا المحتاجين. شبكة المعرفة الدولية للنساء الناشطات في السياسة: ما هي الاستراتيجيات التي تنصحين اعتمادها لتشكيل التحالفات حول مسائل المساواة بين الجنسين مع الرجال الذين يحتلّون المناصب السياسية ؟ مارثا رولدوس: أتوافق في عملي مع الرجال، أو معظمهم على الأقل. الأهم هو أن تتمتع المرأة بحس الفكاهة وبالصراحة، وعليها أن تكشف أوراقها، أي أن تشرح ما تريده وما يريده الآخر. إذا ما دخلتِ في صلب الموضوع وتفاديتِ المناورات، بإمكانك تشكيل التحالفات التي تحتاجينها أو تريدينها. أما إذا ما قمتِ بالمناورات، فمن المرجح أنك تحاولين إخفاء عدم رغبتك بالتحالف مع الآخر. في عصرنا هذا، إن الوقت ضيّق والقضايا ملحّة. لذلك أعتقد أنه علينا أن ندخل مباشرةً في صلب الموضوع بكل ودّ وفكاهة. هذا هو الأهم بالنسبة لي. للوهلة الأولى، قد ينظر الآخر إلى المرأة بتغطرس، لكن في نهاية المطاف يعترف الجميع بقدرتها في العمل، ما إن تحقق الإنجازات قبل غيرها، وتكون أكثر إطلاعًا منهم وتصمد لفترة طويلة بعد رحيلهم. لا أنكر أنها عملية صعبة وغير عادلة إذ يجب أن تحظى المرأة بالمساواة وألا تعمل بكدّ أكثر من غيرها، إلا أنه يجدر بذل المزيد من الجهود دومًا في المرحلة الأولى. ولطالما تمحور دورنا حول هذه الجهود الإضافية، أي علينا أن نبرهن بأننا مستعدّات كما أي رجل بل أكثر لدخول معترك السياسة وأننا نتمتع بالتدريب الملائم. شبكة المعرفة الدولية للنساء الناشطات في السياسة: في مسيرتك السياسية، سنحت لك الفرصة أن تنشطي ضمن التحالفات والشبكات. ما أهمية هذه التجربة بالنسبة لك؟ مارثا رولدوس: شاركتُ في شبكات تُعنى بمواضيع الساعة، كما عملت ضمن المجموعات النسائية ومجموعات المدافعة عن البيئة حول مواضيع عديدة. لا بدّ من أن تبرهن المرأة عن التزامها بخدمة القضية المشتركة لتنجح الشراكات هذه. عندها بإمكانها أن تروّج لهذه القضايا أو أن تقود المجموعات المعنية بها. أعتقد أن الصراع على القيادة يخلّف الكثير من الأذى. من المهم أن يتمتع المرء بالروح القيادية لكن ليس من خلال السعي وراء القيادة كغاية بحدّ ذاتها. في أيامنا هذه، كثيرةٌ هي برامج التدريب على القيادة وأعتقد أنها تشجع صعود السلّم السياسي. إلا أن عددًا من هذه البرامج يفتقر إلى المحتوى الحقيقي، فلا يتناول القضايا التي يجب الدفاع عنها، بل المناصب التي يجب تبوؤها. من الممكن أن يصل المرء إلى مراتب عليا ولا يحمل معه أي قضية، وفي نهاية المطاف نجد "القادة الجدد" يكرّرون ما قام به أسلافهم. إذا ما تبنيتِ قضيةً ما ودافعتِ عنها بشغفٍ وتفانٍ، قد تجدين نفسك في نهاية المطاف في منصبٍ قيادي. أنا لا أحبذ أن أقود المعركة في بعض القضايا، وإذا ما وجدت شخصًا آخر يتفوق عليّ في هذا المجال، أتيح له الفرصة بكل رحابة صدر. في بعض الأحيان، تكونين ملتزمةً كل التزام بقضية ما، وتدركين حينئذ أن قلّة قليلة من الأفراد مستعدة للقيام بما تقومين به. هذه هي روح القيادة بحدّ ذاتها، وهي جديرة بكل الجهود، إنها القيادة التي تتمثل باحتضان القضية عن حق ولا بأن يسعى القائد ليكون محط الأنظار. لقد دخلتُ معترك السياسة لأنّي أريد تحقيق بعض الأهداف والحؤول دون تحقيق غيرها. واستنادًا إلى ذلك، أحدد من عليّ الإجتماع معه والتحدث إليه، ومن عليّ تفاديه. إذا ما توقفنا عند التفاصيل، ورحنا نتنافس حول من سيتكلم أمام الكاميرا أو من ستظهر صورته في الصحف ونتعارك على هذه المواضيع، نخون عندها القضية التي علينا خدمتها، ونخرج عن السبيل المحدد- لا بل أسوأ، نهدر القضايا والجهود معًا. شبكة المعرفة الدولية للنساء الناشطات في السياسة: ما النصيحة التي تسدينها إلى النساء الشابات في إكوادور وفي بلدان المنطقة اللواتي يرغبن في دخول المعترك السياسي، ويُحجِمنَ عن ذلك لأنّهنّ يشعرن بأنّ هذا العالم بعيد المنال؟ مارثا رولدوس: قد يبدو الأمر مضحكًا، لكني أعلم أن البعض يعتقد أنني كالطفل الذي أراد أن يمتهن الألعاب البهلوانية لأن أعضاء أسرته كافةً كانوا من البهلوان. وقد يعتقد البعض الآخر أن شأني شأن الطفل الذي يعود من السيرك ويعرب عن رغبته بالمشاركة بالسيرك أيضًا. إلا أنني أعرف عددًا من النساء يؤدين أدوارًا بارزة في السياسة ولم ينشأن ضمن أسرة امتهنت السياسة. لقد رفضت السياسة لفترةٍ طويلة ولم أدخل معتركها لأنني من عائلة سياسية بل لأنني أردت أن أدافع عن بعض القضايا، لأنني أردت تحقيق برنامجي. ولم أدخل المجال السياسي إلاّ بعد 20 عامًا على وفاة والدَي. ينخرط المرء في نشاطٍ ما بدافع الشغف، وعندها يحدّد الطريق التي يسلكها. أنصح الجميع، ليس من يريد دخول معترك السياسة فحسب، بأن يقوم بما يريده في حياته وأن يجد ما يثير شغفه. لما كان بإمكاني أن أتحمّل الأفراد الذين أتحملهم أو أتشاجر مع الأفراد الذين أتشاجر معهم لولا شغفي ولولا دفاعي الشرس عن بعض القضايا التي أؤمن بها. لولا هذا الشغف، لكان حريّ بي أن أبقى في المنزل لأشذّب النبات وأهتم بالأزهار. شبكة المعرفة الدولية للنساء الناشطات في السياسة: : قبل أن نختتم هذه المقابلة، هل من تعليقات أخيرة؟ مارثا رولدوس: علّمتني الحياة أن المرء يجهل متى تدقّ ساعته. لذلك، أحاول دومًا أن أبذل قصارى جهدي لأسخّر الوقت المتاح والموارد المتاحة لخدمة القضايا التي أؤمن بها. لا أعلم أين سأكون بعد بضعة أشهر، على الأرجح على الساحة السياسية، وكثيرةٌ هي القضايا التي أود أن أدافع عنها، وأحب بلدي حبًا جمًا. عشت في مناطق عديدة وعرفت خيرة القوم. بشكلٍ عام، إن المواطنين اللاتينيين شعبٌ طيب لا يمكن للمرء إلا أن يكنّ له كلّ المحبّة ويشعر بالقربة والإلفة معه. لكن هذا الشعب لا ينتفض كما يجب وهذا ما يضايقني. أذكر أنني تكلّمت إلى بعض العمال في حقول زراعة الموز الذين خضعوا للإستغلال، وأخبرني أحدهم أن مادّة سامّة قد وقعت عليه وأنه فقد بصره في إحدى عينيه وتساقط شعره. وبكل صراحةٍ قال: "يبدو أن الحظ العسير يلاحقني، وكانت عيني هي التي تلقّت الضربة" لكنني قلت له "هذا ليس بالحظ العسير، لقد تعرّضتَ للإستغلال، أجبرت على استخدام مادة سامة محظرة دوليًا ولم يحذّرك أحدٌ من مخاطرها". إنه هذا الظلم بحدّ ذاته الذي يدفعني إلى المضي قدمًا في المعركة. لقد حققتُ الكثير في حياتي، كنت طالبةً وأستاذةً، وأجريت الدراسات، ولازمت المنزل في جزء من طفولة ابنتي. في الحياة مراحل عدّة يمكن أن يعيشها المرء، ولقد سلكتُ طريقًا أوصلني إلى هنا وسيمكّنني من مواصلة تقدّمي. أدعو الأفراد الذين يودّون الدفاع عن قضيّة ما أن يشاركوا في السياسة. أما لمن يهمه أن يكون محطّ الأنظار، أنصحه التوجّه نحو مجال الإستعراض والفن.